القاضي عياض
46
شرح الشفاء ( شرح ملا علي القاري )
الرحمة معنى يوجده اللّه تعالى فيمن يشاء من خلقه وفيها يتفاوتون . ( قال : نعم ، كنت أخشى العاقبة ) أي آخر أمري من سوء الخاتمة لما وقع لإبليس من الزلة ( فأمنت ) بفتح فكسر وضبطه التلمساني بصيغة المجهول ففي القاموس الأمن ضد الخوف أمن كفرح وقد أمنه كسمع ائتمنه واستأمنه انتهى ولا يخفى أن بناء المجهول غير ظاهر في المعنى إذ المراد فصرت آمنا ببركة القرآن الذي نزل عليك ( لثناء اللّه عزّ وجلّ عليّ بقوله : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ) أي صاحب مكانة ( مُطاعٍ ) أي بين الملائكة ( ثَمَّ ) أي فيما هنالك ( أَمِينٍ [ التكوير : 20 - 21 ] ) أي على أمر الوحي وغيره ووجه الاستدلال به أنه تعالى حيث مدحه في محكم كتابه العظيم وأخبر عن حسن حاله للنبي الكريم لا يتصور تبدل حاله ولا تغير مآله ولا يبعد أن يجعل قوله أمين بمعنى مأمون العاقبة وقد سنح بالبال واللّه تعالى أعلم بالحال أنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وشرف وكرم رحمة لجميع خلق اللّه تعالى فإن العالمين لا شك أنه حقيقة فيما سواه ولا صارف بالاتفاق يصرفه عن دلالة الإطلاق ثم من المعلوم أنه لولا نور وجوده وظهور كرمه وجوده لما خلق الأفلاك ولا أوجد الاملاك فهو مظهر للرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء من الحقائق الكونية المحتاج إلى نعمة الإيجاد ثم إلى منحة الإمداد وينصره القول بأنه مبعوث إلى كافة العالمين من السابقين واللاحقين فهو بمنزلة قلب عسكر المجاهدين والأنبياء مقدمته والأولياء مؤخرته وسائر الخلق من أصحاب الشمال واليمين ويدل عليه قوله تعالى تبارك الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ومن جمله انذاره للملائكة قوله سبحانه وتعالى وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ويقويه قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعثت إلى الخلق كافة وقد بينت وجه ارساله إلى الموجودات العلوية والسفلية في رسالتي المسماة بالصلاة العلية في الصلاة المحمدية . ( وروي عن جعفر بن محمّد ) أي الباقر ( الصّادق ) نعت لجعفر ( في قوله تعالى : فَسَلامٌ ) أي فسلامة من كل ملامة ( لَكَ ) أي لرحمتك ( مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ [ الواقعة : 91 ] ) خبر سلام أي حاصل من أجلهم ولو كان من أعظمهم وأجلهم . ( أي بك ) أي بسبب وجودك أو بسبب كرمك وجودك ( إنّما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمّد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ) أي بالشفاعة العظمى فإنها شاملة للنفوس العليا والسفلى من الأولى والأخرى فشملت رحمته في الابتداء والانتهاء في الدنيا والعقبى وقال التلمساني لمحمد روي باللام والباء واللام تعليلية والباء سببية فتكون كرامة مضافة إلى ضمير الفاعل وهو اللّه سبحانه وتعالى انتهى والنسخ المصححة والأصول المعتمدة على الإضافة إلى المفعول وهو الظاهر في المعنى قال الدلجي أي من أجل إكرام اللّه إياه فوضع الظاهر موضع المضمر وإلا ظهر أنه التفات من الخطاب إلى الغيبة ثم أغرب الدلجي أن من على هذا زائدة ويجوز أنت كون بمعنى لام التعدي أي لسببك وقع السلام لأصحاب اليمين من أجل إكرام اللّه تعالى إياك وما قاله تكلف بعيد انتهى والكل تكلف بل تعسف والتحقيق أنه أراد أن الخطاب في